الأب يوحنا حربي: “الكتاب المقدس تناول حياتنا المؤلمة”

كشف الأب يوحنا حربي الراهب الفرنسيسكاني عن إحدى معجزات يسوع.فقال: كان يسوع يسير مع تلاميذه في الطريق فصادف رجلًا أعمى (مولود أعمى) فسأله تلاميذه:" من أخطأ أهو أم أبواه حتى وُلد أعمى؟" يو 9 / 2.أجاب يسوع " لا هذا أخطأ ولا أبواه، وُلد أعمى ليتمجد الله فيه"يو 9 / 3.وطلى يسوع عيني الأعمى بالطين وأرسله إلى بركة سلوام ليغسل عينيه. فذهب وغسلهما فعاد بصيرًا"يو9/6.وأضاف: "الجيران شكّوا في أمره ثم تأكدوا أنه هو الأعمى وقد شُفي. والفريسيون حققوا معه ومع والديه ثمَّ طردوه من الهيكل ويسوع رآه في الهيكل وسأله هل يؤمن به، فعبّر الأعمى عن إيمانه بيسوع وسجد له، وإن لهذه المعجزة مكانة خاصة بين معجزات يسوع لأنها تطرح أسئلة بالغة الأهمية وهي:: ما سبب الألم في حياتنا؟".سأل التلاميذ يسوع:" من أخطأ؟ أهذا أم والداه؟" كان التلاميذ يعتقدون كسائر الناس في أيّامهم أن كل مصيبة تحلّ بالإنسان إنما هي عقاب الخطيئة التي ارتكبها أو سيرتكبها. ولذلك فإن جميع أصحاب العاهات خطأة يتحمّلون عقاب خطاياهم. إن سبب الألم في نظرهم هو الخطيئة أو بالأحرى عقاب الخطيئة. هكذا كان أصحاب أيّوب يعتقدون. فلما رأوا أن المصائب قد حلّت به أكدوا له أنه رجل خاطئ يتظاهر بالتقوى ولذلك عاقبه الله وأنزل به هذه المصائب الشديدة في أمواله وأولاده السبعة وجسمه. فاحتج أيوب على تفكير أصدقائه، ولكنه لم يقدّم الجواب الصحيح عن ألمه.ونتيجة لهذا التفكير إن من لا يخطأ لا ينزل به الألم وعندما نسمع جواب التلاميذ وجواب أصحاب أيوب نتساءل: هل هو صحيح ؟ وما مقدار الصحة فيه فلدينا ثلاثة أجوبة عن هذا السؤال: جواب الخبرة اليومية، وجواب الكتاب المقدس، وجواب حكمة الله السريّة، وإليكم هذه الأجوبة باختصار.جواب الخبرة اليوميَة: إن الخبرة اليومية تقول إن للألم أسبابًا كثيرة غير عقاب الخطيئة، ومن أبرزها الموت والمرض والفقر وكوارث الطبيعة والحروب والاضطهادات والوراثة الطبيعية المشوّهة والإخفاق في العمل وسوء التربية واختلاف الطباع وفقدان السلام في الأسرة والتعديات الظالمة، وغير ذلك من الأسباب الظاهرة والخفية المادية والمعنوية التي لا يُحصى عددها لكثرتها.و كل هذه الأسباب تُحدث الألم في أجساد الناس ونفوسهم، وهم في كثير من الأحيان أبرياء وضعفاء لا يستطيعون التغلّب عليها والتخلّص منها. وأوضح قائلا إن الكتاب المقدس أجاب على كل هذه التساؤلات وقد تطرّق عدة مرات إلى الحديث عن الألم وبيّن بعض أسبابه. وإليكم أهم هذه الأسباب: – الشر المتغلغل في قلب الإنسان: إن الشر دفع قايين إلى أن يقتل أخاه هابيل ظلمًا، وقد ظهر هذا الشر على شكل حسد أسود قتّال حمله على ارتكاب الجريمة.- عقاب الخطايا المرتكبة بكثرة: لقد ارتكب الناس في أيام نوح الخطايا الكثيرة فعاقبهم الله بالطوفان وأحرق سكان سدوم وعمورة بالنار والكبرىت.- مقاومة الديانة اليهودية: قاومت هذه الديانة انتشار الدين المسيحي الناشئ وحملت اليهود على رجم اسطفانس واضطهاد بولس الرسول اضطهادًا شديدًا.- حِقْد رؤساء اليهود على يسوع: اضمروا في نفوسهم عليه حقدًا أسود فقادوه إلى الوالي الروماني وهيّجوا عليه الشعب وتمكنوا من قتله على الصليب.وفسر قائلا: إن هذه الفكرة واردة في الإنجيل ورسائل القديسين بطرس وبولس ويوحنا مرات كثيرة بأساليب متعددة، وقد عبّر عنها بولس الرسول بكل وضوح فكتب:" فمع أن يسوع في صورة الله لم يَعدّ مساواته لله غنيمة، بل تجرّد من ذاته متخذًا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ".(فيلبي 2/6-8).و تحقيق مجد الله على الأرض: هكذا وُلد هذا الشاب الأعمى محروم البصر ليصَنع له يسوع معجزة تفتح عينيه فيتمجد بها الله أمام الناس.واختتم قائلا جواب حكمة الله السرية: بأن هناك حوادث مؤلمة لم يأتِ الكتاب المقدس على ذكرها ولا تستطيع الخبرة البشرية أن تفسرها. وإليكم مثالًا عنها: أسرة مكونة من أب وأم وأربعة أطفال. الأب عامل نشيط، تقي، محب لأسرته. أصابته يومًا في محل عمله شرارة كهربائية قوية فقتلته فورًا. فأصبحت المرأة أرملة والأطفال أيتامًا وحلَّ الشقاء بهذه الأسرة. فالسؤال الذي نطرحه: كيف سمح الله بأن يُقتل هذا الرجل المعيل لأسرته ؟ ليس لدينا جواب عنه. إن هذا الحادث المؤلـم يبقى سرًا من أسرار حكمة الله لا يُدركه العقل البشري، ولا جواب له ولا تفسير. وفي بعض الأحيان، وهذا نادر جدًا، يكشف الله لنا عن سر حكمته. وإليكم في هذا المجال حادثًا من حياة القديسة ريتا. تزوجت ريتا شابًا عنيف الطباع شرس الأخلاق عذّبها عذابًا شديدًا فأنجبت منه ولدين. وصلّت ريتا كثيرًا وتحمّلت كثيرًا فقبل الله صلاتها فتغيرت طباع زوجها وامتنع عن ارتكاب المعاصي والتعديات على الآخرين. وبعد موته لاحظت ريتا أن ولديها اللذين بدءا يكبران كانت لهما طباع أبيهما وشراسة أخلاقه وميله إلى ارتكاب الخطايا فصلّت إلى الله وقالت: "يا إلهي خذهما وهما لا يزالان صغيرين لكي لا يكبرا ويهينا اسمك بارتكاب المعاصي " وسمع الله صلاتها فمات الصبي الأول بمرض مجهول. وبعد مدة مات الآخر بالمرض نفسه.هذه حالة نادرة ظهرت فيها حكمة الله بوضوح وهي أن الله قبل صلاة أمهما ليمنع عنهما ارتكاب الخطيئة ويخلّص نفسيهما قبل أن يستسلما إلى الشر المؤدي إلى الهلاك.ولكن الألم يبقى في كثير من الأحيان سرًا لا نعرف سببه، ولا نتوصل إلى إدراك هدفه. ومن ناحية أخرى إننا نؤمن بأن الله أبٌ حنون حكيم، يحب أبناءه ويعتني بهم ولا ينساهم. قال الله في هذا الموضوع: "هل تنسى الأم رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ لكن لو أن الأمهات ينسين فأنا لا أنساك" (أشعيا 49/15). إن الله لم يشأ أن يطلعنا على كل أسرار حكمته.