“العولمة”.. النظام الدولي في ظل فيروس كورونا “ملف”

من المبكر الحديث عن إعادة هندسة النظام العالمى ونقل المركزية القطبية إلى الشرقالأزمة فرصة لبناء نظم حوكمة قادرة على التعامل مع التحديات غير التقليديةالإجراءات الحمائية تلحق الضرر بجميع الدول خلال انتشار «كوفيد -١٩»صعود نمط الدولة القومية القادرة على الإلمام بكل المقاليد.. وانحسار التيارات الشعوبية برغم فشل التكتلات الإقليمية فى الأزمات.. إلا أنه من الأفضل الإبقاء على وجودهاإعادة إنتاج العولمة قائمة على أطر التعاون فى المجالات ذات الصبغة الإنسانية كالوقاية الصحية ومكافحة الأوبئة المركز العربى للبحوث والدراسات مركز علمى بحثى تابع لمؤسسة المركز العربى للصحافة، يهتم بالقضايا والدراسات الإقليمية، فى تخصصات النظم والعلاقات الدولية. وفى إطار التعاون بين جريدة «البوابة» والمركز العربى للبحوث والدراسات، ننشر اليوم عروضا لعدد من الدراسات الصادرة عن المركز فى محاولة لإلقاء الضوء على آخر المستجدات على الساحة العربية والإقليمية والدولية كخدمة تقدمها «البوابة» لقرائها.تطرح الاختبارات الحالية مخاطر متصاعدة تُنذر باحتمالية تصدع بنية النظام العالمى الحالى، فى ظل تراخى نظام "إدارة المخاطر" فى إنجاز التوازنات المطلوبة فى العديد من الملفات غير التقليدية كالأزمات المالية وتداعيات الحمائية التجارية، وإشكالية ملوثات البيئة ومخاطر التغيرات المناخية، وصولا لانتشار الأوبئة وتنوع وتطور سلالاتها. بالمقابل، أصبح هناك الحديث حول إعادة تقييم "ارتدادات العولمة" فى ظل تنامى التناقضات والتوترات المصاحبة لمخرجات أزمة فيروس كورونا "19-Covid" وانعكاساتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية على مختلف مكونات النظام العالمي.وكذلك الدفع بإعادة إنتاج أطر نظرية ومفاهيم قادرة على استيعاب الواقع الجديد، بل أن يتجاوز الأمر نحو التنظير للبدء بعملية "فك الارتباط" وإعادة هندسة النظام الدولى، بما يتوافق مع «إبستومولوجيا الأمننة» لمجتمع المخاطر. ارتدادات العولمة اقترنت عملية العولمة بتصاعد وتيرة الأخطار العابرة للحدود، بمختلف أشكالها، والتى تهدد النظام العالمى ككل؛ فى ظل ضعف واضح وقصور شديد فى التعاون الدولى لمواجهتها. إذ تجلى بوضوح فى ضعف أداء المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، وصعوبة حصولها على التمويل اللازم، بالتوازى مع تراجع حجم الدعم التنموى الذى تقدمه الدول المتقدمة لمساعدة الدول الضعيفة على تجاوز أزماتها. فى السياق ذاته، فرضت إشكالية "مجابهة المخاطر" وخاصة مع التمدد الديموغرافى لفيروس كورونا تبنــى العديد من الإجــراءات الرامية لتقويض ارتدادات العولمة منها: وقــف التدفقــات الضخمــة العابـرة للحـدود، وتفكيـك شـبكات الاتصـال العابـرة للأقاليـم (Global Interconnectedness).إذ دفعت تلك الأزمة بالعديد نحو تسليط الضوء على الانعكاسات السلبية للعولمة وارتباطها بتنامى المهددات غير التقليدية مثل: تفشى الأوبئة العابرة للقوميات، والتلـوث البيئـى، والاحتبـاس الحـرارى، والجريمة المنظمة، والإرهاب المُعولم، والتهديـدات السـيربانية التـى تستهدف أمن تدفق المعلومـات.وفقا لذلك، أصبحت هناك الحاجة للتنظير حول تداعى وتراجع نظرية "الاعتماد المُعولم"، إذ أصبح النظام الدولى فى حالة انكشاف أمنى وسياسى واقتصادى نظرا لما أسست له مجمل التهديدات غير التقليدية الأخيرة من هشاشة فكرة "الاعتماد المتبادل" بين مختلف فواعل النظام الدولى، وفشل النظام فى تلبية الاحتياجات السياسية والاقتصادية والأمنية وفقا لآلية الاعتماد والتعاون المرن".فعلى سبيل المثال: صاحب تفشى فيروس كورونا فى العالم إغلاق العديد من المصانع فى دول العالم مما تسبب فى تداعيات اقتصادية متلاحقة أهمها ما تم رصده مؤسسيا من تباطؤ معدلات النمو العالمى، وتراجع الطلب على النفط فى الأسواق العالمية، ونقص المعروض من بعض السلع خاصة فى القطاعات التكنولوجية، وتعمقت الأزمة بعد إقرار فواعل النظام الدولى الإغلاق التام للحدود وتعليق رحلات الطيران، وهو ما دفع بالبعض نحو مراجعة نظرية "الاعتماد المُعولم" وإعادة النظر فى المقولات الخاصة بـ"الحمائية"، استنادا على فرضية ديناميكية مفادها: "إن الاعتماد على الخارج فى تلبية الاحتياجات الأساسية والحيوية قد لا يسهم بالنفع فى حالة الأزمات". مُصعدات الأمننة دائما ما ترتبط تداعيات "ارتدادات العولمة" باستدعاء مفهوم "الأمننة" ومقولات مدرسة كوبنهاجن، خاصة مع التوسع فى توظيف الجيوش فى مجابهة مختلف التهديدات غير التقليدية والعابرة للقوميات، والتى آخرها ما يتعلق بتقويض الانتشار الديموغرافى لفيروس كورونا، وبروز أدوارهم فى فرض إجراءات الحجر الصحى وحظر التجوال، فضلا عن القيام بأعمال التطهير وتشييد المستشفيات الميدانية.. الخ، بالإضافة إلى ما يعرف تشريعيا بـ"تفعيل قوانين الإنتاج الدفاعي" لموازنة نقص الإمدادات الطبية، وهى تلك القوانين التى بموجبها يتم منح المزيد من السلطات للرئيس لتحريك القطاع الخاص لتلبية احتياجات الأمن الوطنى فى وقت الأزمات. اتساقا مع ذلك، وبمراجعة خطابات القادة السياسيين حول العالم فى مواجهة التهديدات الأمنية والتى منها تفشى الأوبئة، وقياسا على الخطابات المحلية للقادة حول عرض تداعيات فيروس كورونا وخطة المواجهة، نجد قيام العديد بتوظيف ما يسمى بـ"خطاب الحرب" كإحدى الآليات السيكولوجية لنقل الشعور بالتهديد لإنجاز متطلبات الحشد الشعبى وقبول الإجراءات الاستثنائية الداعمة لمسارات الأمننة غير التقليدية. إعادة التقييم تنبئ الأزمات، خاصة تلك غير التقليدية، بالتوجه نحو إعادة النظر والتقييم للنظام الدولى القائم، ويلحق بذلك العديد من المراجعات لماهية النسق الحالى، وتقييم خرائـط الفاعلين، وإبراز لهيـاكل القوميات، وبحث جدوى الأيديولوجيات، وكذلك الحديث عن شـكل العــالم فيما بعد الأزمات. ومن ثم، فمن المرجح بعد عبور أزمة تفشى وباء الكورونا "١٩-Covid" أن تتم إعادة النظر فى عدد من الملفات التى قد ترنو إلى محاولة خلق نافذة نحو إعادة هندسة النظام العالمى، ومنها:إعادة إنتاج العولمة يذهب العديد بكون جائحة كورونا ستكون أحد أهم أسباب انحسار "العولمة" بمختلف أذرعها، وذلك وفقا لـ"مصفوفة تصاعدية" تحتل بها الأوبئة درجة متقدمة، عقب التوترات التى أحدثها النزاع التجارى الأمريكى الصينى بالهيكل الاقتصادى للنسق الدولى وما أفرزه من عوائق تجارية تحت مسمى "الحمائية". دون إغفال البُعد البيئى وتداعيات التغيرات المناخية المتلاحقة فى تنامى التيارات القومية المنادية بالتنصل عن تحمل "عبء التكلفة"، وهو ما تمت ترجمته من جانب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ. يذكر أن الحديث عن "ارتدادات العولمة" ومسارات تطويق الاندماج فى النظام العالمى، تمت إعادة الدفع به خلال ما يشهده العالم من "أزمة كورونا" بالتوازى مع صعود التيارات اليمينية والشعبوية وأجنداتهم القومية بالفترة الأخيرة. إذ أنه ليس من المستبعد "انحسار العولمة" بداية من المسار الاقتصادى وفقا للنزعة الحمائية بالتزامن مع حالة الاضطراب المؤسسى للتجارة الدولية – وفقا لتداعيات جائحة كورونا – وما لحق به من تخفيض علاقات الاعتماد المتبادل بين الدول لأدنى حد مقابل التركيز على بناء القدرات الذاتية لتلبية الاحتياجات الأساسية بما يتوافق والاستعداد لسيناريوهات العزلة الممتدة. فى تقديرى، أن المغالاة بالحديث عن "انتهاء العولمة" استنادا على أن دول العالم بدأت بالانكفاء على نفسها بدلًا من انفتاحها على العالم لمواجهة تداعيات ارتدادات العولمة" هو حديث منقوص والأحرى أن يتم استبداله بالحديث عن "إعادة إنتاج العولمة". إذ أن العولمة بمفهوم سيطرة اقتصاديات السوق الحرة قد انتهت بداية من تداعيات ما بعد الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨. وما تلاها من أزمات متنوعة آخرها ما تم اختباره فى التعامل مع الانتشار الديموغرافى لفيروس كورونا، إذ كشف ذلك عن الدور الحيوى للدولة فى إداراتها لبعض القطاعات كالصحة والتعليم والنقل، ومن ثم أصبح هناك الحاجة لإعادة إنتاج نموذج "العولمة" وفقا للمعطيات الحديثة على أن تشتمل فى مساراتها على أطر التعاون فى المجالات ذات الصبغة الإنسانية كالوقاية الصحية ومكافحة الأوبئة، على أن تشكل العولمة – بصيغتها الجديدة – "نافذة اندماجية" قائمة على التعاون المتبادل فى إطار العمل الجماعى التشاركى.التغير فى موازين القوىيذهب البعض إلى أحد تداعيات "ارتدادات العولمة" انتقال ميزان القوى العالمية من الغرب إلى الشرق، وفقا لمعيار الدول نحو تدارك تداعيات الأزمات والتى آخرها ما يتعلق بأزمة فيروس كورونا، فعلى سبيل المثال: استطاع كل من كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين تطويق ومحاصرة الانتشار الديموجرافى لفيروس كورونا، مقابل تباطؤ الحكومات الغربية والأوروبية فى احتواء الأزمة، بما قد يدفع بالحديث عن احتمالية انتقال "مراكز الثقل" وما يلحق بذلك من تداعيات اقتصادية أهمها سقوط سطوة الغرب على الهياكل الاقتصادية والتجارية. فى تقديرى، أنه لا يزال من المبكر الحديث عن التغير فى موازين القوى العالمية، إذ إن العولمة بكل تشكيلاتها- رغم ثقل ارتدادتها- بالتوازى مع الاعتماد على المنصات الإلكترونية والتحولات الرقمية، أصبح الحديث عن سيطرة اتجاه دون الآخر مجرد حديث هزلى، ولعل الاختبار الأخير بين واشنطن وبكين والخاص بـ"نزاع الحمائية التجارية" أوجد صياغات اقتصادية وتجارية مرنة استطاع من خلالها الأطراف التكيف والتعامل مع مختلف التداعيات. تقييم مشروعات الاندماج الإقليمىمن المتوقع بعد انحسار جائحة كورونا أن تتم إعادة النظر فى جدوى هياكل التكتلات الإقليمية وفى مقدمتها الاتحاد الأوروبى، إذ كشفت الأزمة الأخيرة عن حالة التصدع فى بنية الاتحاد بالتزامن مع توجهات التيارات القومية واليمينية نحو الانغلاق على الذات والتركيز على المصلحة القومية دون النظر لاعتبارات المسئولية الإقليمية أو ما يعرف بـ«عبء الاتحاد»، وهو ما قد ينذر بإعادة النظر فى جدوى الاتحاد، وذلك مع ضبابية احتمالات خروج دول أخرى من الاتحاد الأوروبى بخلاف بريطانيا مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، استنادا إلى ما تم تسجيله من تنامى حالة الغضب الشعبى ضد الاتحاد الأوروبى داخل العديد من الدول الأوروبية وفى مقدمتهم إيطاليا، كذلك ما يتعلق بردود الأفعال المصاحبة لرفض الاتحاد الأوروبى فى مارس ٢٠٢٠ طلب تسع دول أوروبية منها إيطاليا بإصدار ما يسمى بـ"سندات كورونا" للتخفيف من الآثار الاقتصادية للوباء. إذ أصبح من المتوقع أن يُعاد تقييم فكرة الاتحاد وكذلك إعادة تعريف الوظيفة المؤسساتية لمثل تلك التكتلات الإقليمية بشكل عام فى ظل تنامى مهددات الأمن غير التقليدي. لن يتوقف الأمر فقط على مراجعة الإطار الاندماجى لقوى الغرب، ولكن من المرجح إعادة النظر فى تقييم هيكل "الاندماج العربي"، إذ فشلت جامعة الدول العربية فى التصدى لتحديات القرن الواحد والعشرين، حيث كانت مساهمة جامعة الدول العربية حتى الآن للحد من انتشار وباء فيروس كورونا فى إلغاء القمة العربية التى كانت مقررة فى مارس ٢٠٢٠ على خلفية الذكرى الـ ٧٥ لنشأة الجامعة. فى تقديرى، برغم فشل التكتلات الإقليمية فى احتواء تداعيات الأزمات، إلا أنه لايزال من الأفضل الإبقاء على وجود مثل تلك "الصياغات الاندماجية" والتى تسمح بالقليل من التنسيق الإقليمى على أن تتم جدولة معايير الإصلاح المؤسسى وفقا لما ترنو إليه الدول الأعضاء.مراجعة النظام الدولىكشفت آليات التعامل الدولى لتطويق الانتشار الديموغرافى لفيروس كورونا عن أهمية إعادة النظر فى شكل العلاقات "السياسية والاقتصادية والأمنية والإنسانية" بين مختلف فواعل النسق الدولى، إذ أصبح هناك الحديث عن إعادة ترتيب الأولويات، فضلا عن التغير فى شكل العلاقات السياسية بين الدول وداخلها، وأيضا حول ما إذ كانت سطوة الحكومات ستتعاظم مقابل تقويض مسارات التحرر، فضلا عن احتمالية إرساء التوجه القومى نحو الانغلاق والرغبة فى التمحور داخليًا.نقطة أخرى تتعلق بهيكل النظام الدولى، وتراجع فكرة القطبية، إذ أن الأزمة الأخيرة كشفت عن هشاشة القيادة الأمريكية للنظام الدولى فى ظل تبنيها منظور "المصالح الذاتية" وافتقارها الفادح للكفاءة، مقابل ظهور دول أخرى عمدت على ترسيم خطوات الدعم والتوجيه للدول الأكثر تضررا من انتشار فيروس كورونا، وهو ما قد يدفع بالبعض نحو إعادة تقييم النظام العالمى، والحديث عن إعادة الهيكلة انطلاقا من فرضيات "الأمن الإنساني" وتأسيسًا على مخرجات "الدبلوماسية الطبية" التى تتبعها العديد من الدول وفى مقدمتها الصين التى أرسلت خبراءها طوعًا إلى العديد من الدول المنكوبة بفيروس كورونا لتقديم المساعدة المجانية دون أى بروباجندا دعائية، بما قد يدفع بالبعض نحو التصور النظرى بتحول مركزية النسق الدولى من الغرب إلى الشرق. فى تقديرى، النظام العالمى الحالى وفقا لأطره الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والأمنية والإدارية يتعرض إلى اختبارات غير تقليدية تتراوح بين أزمات مالية تعصف باقتصاديات دُولِهِ، أو تلوثات بيئية تتجاوز مخاطرها نطاقها المحلى والإقليمى، أو توترات سياسية تنذر بتحول صراعات محلية إلى إقليمية أو إلى دولية، أو أوبئة تتجاوز قدرات العديد من الدول على التعامل معه، وبرغم هذا وذاك، لا يزال من المبكر الحسم بقبول فكرة إعادة هندسة النظام العالمى ونقل المركزية القطبية إلى الشرق، إذ أن أغلب الظن أن يُعاد تدوير "بنية النظام" نحو "التعددية" على أن يُدار وفقا لمتطلبات "الأمن الإنساني" دون إغفال استمرار الطبيعة التنافسية بين القوى العظمى، والتى لم يستطع أى فيروس أو وباء آخر المساس بها، استنادا للخبرة التاريخية بالأنفلونزا الإسبانية "١٩١٨-١٩١٩". انحسار التيارات الشعوبية من غير المُستبعد أن الأزمة الراهنة قد تكون بداية النهاية للتيارات الشعوبية واليمينية التى انتشرت فى عدد كبير من دول العالم، إذ أثبتت الأزمة الحاجة إلى قيادات شديدة الاتزان والعقلانية للتعامل مع الأزمات، فضلا عن اختبار العالم لمدى خطورة التضليل المعلوماتى والشائعات، ومركزية العلم والمعرفة والتخصص فى مواجهة الأزمات وهو ما ظهر فى التعامل الأمريكى والبريطانى مع الأزمة الأخيرة برغم ما تم تصديره من أفكار عن السياسات اليمينية والحمائية الاقتصادية ومعاداة الهجرة وتقويض أذرع العولمة على نحو قد يُعيد الدفع بمنظور الدولة القومية. فى تقديرى، أن الفشل الذى أحدثته التيارات الشعوبية بإدارة أزمة "فيروس كورونا" عبر تسويق ما يعرف بـ "خطاب الحرب" وبناء مصفوفات سياسية استنادا إلى "نظرية المؤامرة"، قد يؤول ذلك عقب تخطى الأزمة إلى انحسار مثل تلك التيارات خاصة مع صعوبة تسويق مقارباتهم الفكرية محليا وعالميا.تصاعد نمط الدولة القوميةأثبت الأزمة الأخيرة لجائحة كورونا أن الدول القومية المركزية هى الأقدر على التعامل مع الأزمات المفصلية التى تهدد بقاء الشعوب، وأن آليات التعاون والتكامل الإقليمى والدولى كانت غائبة أو عديمة الجدوى فى هذه السياقات، وكذلك فكرة أن الدولة القوية كانت الأكثر قدرة على إدارة أزمة كورونا بسبب تمكنها من فرض إجراءات احترازية للوقاية من انتشار الفيروس.وفى تقديرى، أن تبنى العديد من الدول – بمختلف اتجاهاتها – إجراءات طارئة وصارمة ونجاحها فى احتواء الانتشار الديموغرافى لفيروس كورونا، سيدعم ذلك من صعود نمط الدولة القومية القادرة على الإلمام بكل مقاليد الأمور فى إطار الدفع العالمى نحو إنجاز متطلبات "الأمن الإنساني".عودة النزعة الحمائية ثمة حقيقــة اقتصاديــة مفادهــا أنــه فــى أوقـات الأزمـات الكبـرى ســرعان مــا تتغيــر توجهــات الحكومــات، فتصبح أكثر إعراضا عـن تحريـر التجـارة وأكثر تفضيلًا للحمائيــة التجاريــة. فعلى سبيل المثال: إبـان أزمـة "الكسـاد الكبيـر" التـى وقعـت فــى نهايــات العشــرينيات وبدايــة الثلاثينيــات مـن القـرن العشـرين، لجـأت الحكومـات إلـى سياسات "الحمائيــة التجاريــة" كــدرع لحماية اقتصاداتهــا المحليــة. وفقا لذلك، فقد تُنذر تداعيات "جائحة كورونا" بمزيد من الآثار السلبية على حركة الاقتصاد العالمى، إذ أنه من المرجح أن تصاب المزيد من الدول بعدوى نزعة الحمائية التجارية للصادرات، خاصة تلك التى تتعلق بالإمدادات الطبية، وهو ما قد يدفع بالبعض للنظر إلى التجارة على أنها وسيلة مضطربة لضمان الحصول على المنتجات الأساسية. على نحو ما قد يؤسس لقاعدة اقتصادية مفاداها: أن الاكتفاء الذاتى عبر الحمائية "فى أوقات الرخاء" هو أفضل ضمان فى مواجهة الشح "فى أوقات الشدة" وهو ما نتلمسه حاليا جراء تلك الأزمة خاصة فيما بتعلق بالسلع الطبية والدوائية. فى تقديرى، أن فكرة الدفع بالإجراءات الحمائية – خاصة مع التوسع بالانتشار الديموغرافى لجائحة كورونا – فسيلحق فى نهاية المطاف الضرر بجميع الدول، على الأخص تلك الأكثر هشاشة. فالإجراءات المقيدة من جانب الدول تقلص حجم الإمدادات العالمية خاصة فى مجال الإمدادات الطبية، مما يؤدى إلى ارتفاع الأسعار. ويدفع بفرض قيود جديدة على الصادرات لعزل الأسواق المحلية، مما يؤدى إلى "تأثير مضاعف" على الأسعار العالمية. فعلى سبيل المثال: حين تصدر سبع دول ٧٠٪ من أجهزة التنفس الصناعى على مستوى العالم – وهى ذات دور حيوى فى علاج مصابى فيروس كورونا. فإذا حظرت دولة واحدة الصادرات، فإن الأسعار قد ترتفع ١٠٪ فى الأمد القصير، وقد تصعد أكثر بكثير من ذلك إذا قامت باقى الدول بالرد فى إطار النزعة الحمائية.مراجعة نظم الحوكمة أثبت الأزمات المتلاحقة جراء ارتدادات العولمة أن الدول التى لديها نظم حوكمة فاعلة هى الأقدر على مواجهة الأزمات والتغلب عليها. إذ من الصعب تجاهل دور نظم الحوكمة فى بناء الأرضية الصلبة لإنجاز متطلبات الأمن السياسى والاقتصادى والإنسانى والاجتماعى و….الخ. – فعلى سبيل المثال: من المُستبعد أن يتم عزل تطوير مجال الصحة عن تطوير نظم حوكمة فاعلة فى باقى المجالات، فالحوكمة لا يمكن تجزئتها، إذ أن جُملة التهديدات الغير تقليدية التى تهدد النظام الدولى ككل تتطلب معالجات كلية تنال المجالات كافة.فى تقديرى، تداعيات أزمة فيروس كورونا قد تكون بمثابة نافذة / فرصة يُبنى على إثرها نظم حوكمة مختلفة فى كل المجالات، قادرة على التعامل مع التحديات غير التقليدية فى القرن الحادى والعشرين.إجمالا.. لا يزال من المبكر الحديث عن خطوات فعالة نحو إعادة هندسة النظام الدولى وفقا للمراجعات النوعية والأمنية لحسابات التكلفة والعائد لارتدادات العولمة، إذ سيظل الرهان على شكل العالم فى مرحلة ما بعد "جائحة كورونا" مرهونا بالتحركات النوعية للفاعلين بهيكل النسق الدولى ومدى قدرة النظام الحالى على استيعاب الخسائر وتحجيم تداعياتها.

المصدر : البوابة نيوز